الرئيسية » مقالات متنوعة » نسيت وعدي فسامحيني

نسيت وعدي فسامحيني

اخلاص داود
…قضيتُ وقتاً طويلاً في فراشي محاولًا النوم، كأن شيئاً ما انتزع مني، تقلبتُ واتخذتُ أشكالا كثيرة، وحين أصابني اليأس تذكرت طريقة احد العلماء التي اسماها (من اجل الاسترخاء والنوم)، فأخذتُ أقلّص جسمي كمن أصابه تماس كهربائي وافرده، لكن النوم اخذ يبتعد عني كرجل خائف، حاولت أن أأخذ بنصيحة جدتي التي قالتها لي ذات يوم: إن التسبيح بحمد الله وشكره ليلا يجلب لك البركة والنوم العميق، لكن نصيحة جدتي هذه المرة لم تجدِ نفعا، شكلتُ قطيعا من الخرفان في مخيلتي وحسبتها، ووصلت لأرقام لم اعرف العد بعدها، ولم أظفر به إلاّ بعد ان قبلّتُ رأس أمي ويدها معتذراً وتوسلت بها أن تسامحني.

هكذا وصف (جعفر) ليلته، هذا الابن الودود والبار بأمه، ثم أستذكر وقال: حين رأيت جوالي سقط على الارض وتهشم بغفلة من والدتي وهي تنظف البيت، استشطت غضباً وأحسست ان قلبي تهشم معه، فصحت بوجهها ونهرتها، نظرتها المرتبكة الحزينة لي لن أنساها واعتذارها الخجول مني بسبب ملامتي لها أثرت بي، لم تكلمني بعدها، كانت تتحاشى نظراتي وتتجنب الحوار معي وكأن الحديث انتهى مدى العمر بيننا، وكلما اقتربت منها تبتعد عني وتصطنع الانشغال والعمل في أمورِ المنزل، أنا اعرفها مثلما يعرفها أخوتي اذا كانت حزينة تفضل العمل والصمت وتختفي ضحكتها.

فعلت هذا وأنا الشاب المؤمن والملتزم بتعاليم الله ورسوله وال بيته الأطهار الفاهم لتفاسير القرآن جيدا ومنها الآية الكريمة التي تقول:

(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً.(

فعلت هذا وأنا الذي احفظ عن ظهر قلب أحاديث المصطفى (ص) ومنها:

(رضا الرَّبِّ في رضا الوالدِ، وسخطُ الرَّبِّ في سخطِ الوالدِ).

فعلت هذا وانا الذي احببت وتأثرت وتمنيت ان املك قلباً رؤوفاً ومحباً لامي مثل قلب الصحابي الجليل (أسامة بن زيد) حين قرأت تلك القصة؛ عندما كانت له شجرة نخل مُثمرة بالمدينة، وكانت النّخلة تساوي قيمة ألف دينار، في أحد الأيام اشتهت أمه الجمار، وهو الجزء الرّطب في قلب النخلة، فقطع أسامة بن زيد شجرة النّخيل المثمرة ليُطعم جمارها إلى والدته، فلمّا سألوه الصحابة عن ذلك؟ أجابهم: أي شيء تطلبه منّي أمي وأستطيع فعله إلّا قمت به.

فعلت هذا وانا الذي اقشعر بدني وسالت دموعي وانا اقرأ قصة الامام عليّ بن الحسين الذي كان روحي له الفداء باراً بأمه كثيراً، وبالرّغم من ذلك لم يكن يشاركها الأكل في إناءٍ واحد، فسألوه: إنّك كثير البرّ بأّمك ومع هذا لا نراك تأكل معها من نفس الإناء؟ أجاب: أخاف أن آخذ شيء تكون عينها سبقت إليه، فأصبح عاقّاً.

كل هذا محاه وسحقه حبي واعتزازي بالموبايل، والغضب الذي تملكني أنساني من تكون؟. انها امي صاحبة العطاء اللامنتهي والحب اللامحدود والحنان المتدفق، امي التي تحمل ذلك الامتياز المشرّف الذي وهبه الله لها، امي التي تحنو علي وتدللني وتداعبني والتي اغدقتني بالعناية والاهتمام منذ الصغر حتى الكبر.

امي جناحي دفء وأمان وحنين، صاحبة الدعاء غير المنقطع، ليس هذا وحسب لقد انساني غضبي وعدي القديم لنفسي ان اخضع لها وارعاها وأحسن عشرتها، وأوقرها، وأخفض الجناح لها، وألتمس رضاها واطيعها وانهيَ نفسي عن النطق بأدنى ما يؤثّر في نفسيتها، بكلمة تطاول او نظرة تكبر، ويقول في تلك الليلة اقتربت منها وهي نائمة وقلت لها بتذلل: امي لقد جرحت روحك العزيزة وتركت الحسرة في قلبك اسمحي لي ان اعتذر منك والقي برأسي على صدرك الحنون.

تبسمت وردت بصوتٍ نعس: سامحتك منذ رأيت ندمك الصادق في عينيك.

اترك رد